اسماعيل بن محمد القونوي

311

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بجميعها تتكلم بلسان المقال أو الحال بذكر بعضها في موضع وبعضها الآخر في موضع آخر . قوله تعالى : [ سورة النور ( 24 ) : آية 25 ] يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ( 25 ) قوله : ( جزاءهم المستحق ) يحتمل أن يكون المراد بالدين ما جاء به الرسول عليه السّلام فحينئذ المضاف مقدر وهو الجزاء أو المراد به « 1 » الجزاء كما ذكره أرباب اللغة وعن هذا جاء في الحديث كما تدين تدان المستحق أشار به إلى أن الحق بمعنى الحقيق اللائق لأنه هو المناسب للجزاء إذ المتداول الجزاء اللائق والمستحق وكونه بمعنى الواقع من حق يحق من باب نصر أي وجب ووقع بلا شك وإن صح اعتباره هنا لكنه خلاف المتعارف مع أن ما ذكر مستلزم له كعكسه ولذا لم يتعرض له المص لمعاينتهم الأمر . قوله : ( الثابت بذاته الظاهر ألوهيته ) الثابت بذاته تفسير للحق مغاير لما هو المراد من الحق السابق وحاصله أنه الواجب لذاته الذي لا يفتقر في وجوده إلى غيره وهذا المعنى مستفاد من الحصر إذ إثبات الحق له تعالى وقصره عليه كما هو مقتضى اللام الذي للجنس وضمير « 2 » الفصل إنما يصح إذا أريد به هذا المعنى إذ الحق بمعنى الثابت مطلقا متحقق في جميع الموجودات فلا جرم أن المراد ما ذكره المص الظاهر معنى المبين لأنه من ابان اللازم أي ظهر قوله ألوهيته أي وجوب وجوده المستحق للعبادة وإسناد الظهور إلى ألوهيته لما عرفت من أن صحة الحصر إنما تتم به ولو قال الظاهر وجوده لكثرة دلائله كما قال في قوله تعالى : وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] لكان له وجه لكن لا يلائم ما قبله على أن هذا يستلزم ظهور « 3 » وجوده بدون العكس . قوله : لمعاينتهم الأمر أي لمشاهدتهم أمر الدين كما أخبروا به بلسان السفرة من الأنبياء المتلقين إياه من اللّه تعالى . قوله : الثابت بذاته الظاهر الألوهية يعني أن لفظ الحق إما بمعنى الثابت من حق يحق إذا ثبت فيكون بمعنى الواجب لذاته فحينئذ معنى المبين الظاهر الألوهية لأن وجوب الوجود لكونه غير قابل لأن يشترك فيه اثنان يقتضي أن يكون موصوفه الها ظاهر الألوهية فردا لا يشاركه في ألوهيته غيره واحدا يستقل في حكمه أحدا لا يقدر على المجازاة سواه وأما بمعنى المحق فيكون اشتقاقه من الحق المقابل للباطل فاستوفى رحمه اللّه محتملي معناه واختار صاحب الكشاف الوجه الثاني من هذين الوجهين ولم يتعرض للوجه الأول لأن الثاني أوفق للمقام فإن قوله عز من قائل : يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ [ النور : 25 ] إخبار من اللّه تعالى بأن يجازي على الاعمال يوم القيامة فهو يقتضي أن يكون معنى قوله : وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [ النور : 25 ] يعلمون يومئذ أن اللّه هو الحق الحاكم بالعدل الظاهر عدالته

--> ( 1 ) وهذا هو الظاهر من كلام المص . ( 2 ) أشار إلى أن الحصر مستفاد من اللام وضمير الفصل مؤكد له كما صرح به في المطول . ( 3 ) لأن ظهور ألوهيته إنما كان بعد ظهور وجوده وأما ظهور الوجود فلا يستلزم ألوهيته ظهور ألوهيته كالهلية المركبة والبسيطة .